يوم 11 سبتمبر في مهرجان فينيسيا السينمائي

كتبهامحمود الزوي ، في 14 مارس 2007 الساعة: 18:25 م

من

خلال الفيلم نقضي نحو ساعتين منذ انهيار البرجين

كان اليوم الثاني دون جدال، يوما لتذكر أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الدورة الثالثة والستين من مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي التي أقيمت في الفترة من 30 أغسطس/ أب حتى 9 سبتمبر/ أيلول.

في هذا اليوم عرض فيلمان: الأول هو الفيلم الأمريكي المنتظر "مركز التجارة العالمي" World Trade Centre للمخرج الشهير أوليفر ستون، والثاني فيلم فرنسي بعنوان "بضعة أيام في سبتمبر" إخراج سانتياجو أميجورينا وهو أول أفلامه كمخرج بعد أن كتب السيناريو لنحو 30 فيلما.

الفيلم الأمريكي مباشر في موضوعه وفي طريقة سرد الموضوع. والفيلم الفرنسي هو أول فيلم يخرجه صاحبه أميجورينا الأرجنتيني الذي يعمل منذ سنوات طويلة في نطاق السينما الفرنسية كمنتج وكاتب للسيناريو لأكثر من 30 فيلما، وهو يلجأ هنا إلى سرد غير مباشر يخفي أكثر مما يكشف، أو يكشف تدريجيا وباقتصاد شديد.

كان فيلم أوليفر ستون منتظرا لأنه أول فيلم لمخرجه يتناول موضوعا سياسيا منذ فيلم فيلم "نيكسون" (1995)، وقبله كان فيلم "جي إف كيه" J. F. K عن اغتيال الرئيس الأمريكي جون كنيدي عام 1962، قد أثار جدلا كبيرا واعتبر مناوئا للمؤسسة ومراجعا للنظرية السائدة المستقرة، أو بالأحرى التي كانت كذلك قبل ظهور الفيلم، عن اغتيال الرئيس جون كنيدي.

وكانت كل أفلام ستون "السياسية" مثل فيلم "السلفادور" ثم ثلاثيته عن حرب فيتنام (بلاتون، مواليد الرابع من يوليو، السماء والأرض) قد أثارت الكثير من الجدل، وتعرضت للكثير من الهجوم من جانب نقاد اليمين في الولايات المتحدة، الذين نظروا بتشكك إلى رؤية ستون التي وصمت بـ "المغالاة" و"التبسيط" "والمجانية" والخضوع لـ "نظرية المؤامرة".

غضب النقاد

أما الفيلم الجديد الذي شهد مهرجان فينيسيا عرضه العالمي الأول خارج بلاده، فقد قوبل باستياء واضح من جانب النقاد الذين كانوا عادة ما يتخذون صف ستون، ويدافعون عن أفلامه.

في فيلم "مركز التجارة العالمي" يعود أوليفر ستون حقا إلى الفيلم السياسي، ولكن بقواعد الكتاب المدرسي للفيلم الأمريكي الذي يخرج من هوليوود عادة.. كيف؟

من

الفيلم يروي قصة شجاعة الضحايا كما يصور أيضا شجاعة فرق الإنقاذ

يتبع الفيلم أسلوبا تقليديا في البناء: رواية قصة تدور حول البطولة الخارقة والشجاعة، بطلاها رجلان من رجال شرطة ميناء نيويورك، كانا ضمن قوة الشرطة التي اقتحمت برج التجارة العالمي بعد ضربه ووقع انهيار المبنى وهما في الداخل فدفنا على عمق 20 قدما تحت الأنقاض.

هذان البطلان وهما ويل جيمينو (يقوم بدوره مايكل بينا)، وجون ماكلوجلن (نيكولاس كايج)، والدان وزوجان مخلصان، علاقتهما بزوجتيهما وأطفالهما علاقة نموذجية، فهما إذن مثال للزوج والأب المخلص من الطبقة الوسطى الذي يستطيع جمهور السينما التعاطف معه.

خلال الفيلم نقضي نحو ساعتين منذ انهيار البرجين ونمر بكل صنوف المعاناة التي يمر بها البطلان.

إنهما مدفونان تحت الأنقاض تماما فيما عدا الرأسين، إلا أنهما لا يستطيعان أن يريا بعضهما البعض، فكل منهما في ناحية، لكنهما مع ذلك ينجحان عن طريق تبادل الحديث والعودة إلى ذكريات الماضي واستعادة علاقتهما بأسرتيهما، من البقاء على قيد الحياة لمدة 12 ساعة.

لحظة الخلاص

وفي النهاية تجئ لحظة الخلاص أو كما تعرف في الدراما السينمائية بـ "الإنقاذ في آخر لحظة" على طريقة رائد الفيلم الأمريكي جريفيث، بعد أن يكون الجمهور قد انغمس تماما في معاناة البطلين، وتابع تمزق الأسرتين: الزوجتان والآباء والأبناء، وشاهد من خلال أسلوب "الفلاش باك" أو العودة إلى الماضي، مشاهد من علاقة ضابطي الشرطة بزوجتيهما، وهي كما أشرنا علاقة نموذجية يتعاطف معها جمهور الطبقة الوسطى (أي معظم مشاهدي الأفلام ودافعي ثمن تذاكر الدخول).

يتمكن أحد ضباط المارينز الشجعان مع فريقه من إنقاذ الضابطين بعد جهود عنيفة وينقلان إلى المستشفى، ثم نراهما في المشهد الأخير بعد مرور سنتين على الأحداث وقد تقاعدا وأصبحا يعيشان في سعادة مع أسرتيهما.

هذا الفيلم يروي قصة شجاعة الضحايا، ويختار اثنين من بين 20 شرطيا نجوا من تحت أنقاض مركز التجارة العالمي، كما يصور أيضا شجاعة فرق الإنقاذ وكيف يخاطر ضباط المارينز بحياتهم لإنقاذ مواطنيهم من تحت الأنقاض، إلا أن الفيلم لا يتعرض لجوانب أخرى مثيرة للجدل من أحداث 11 سبتمبر.

وقد يكون هذا هو الفيلم الثاني من الإنتاج الكبير عن أحداث ذلك اليوم الذي ستظل السينما الأمريكية تعود إليه لفترة طويلة، بعد فيلم "الرحلة 93" عن الأحداث المتخيلة لما وقع على متن طائرة شركة أمريكان إيرلاينز التي تقول الرواية الشائعة أنها تحطمت فوق بنسلفانيا قبل أن يبلغ بها المختطفون هدفهم.

أوليفر ستون يبدو هنا وقد تبنى تماما الرؤية السائدة بشأن الأحداث، أو على الأقل يتجاهل طرح أي تساؤلات حولها، كما يتجاهل المغزى السياسي لأحداث سبتمبر وما تلاها، ويظهر الرئيس جورج بوش وهو يقول إن الإرهابيين أرادوا اختبار إرادة أمريكا، وإن أمريكا ستنجح في هذا الاختبار.

ويصور الفيلم في النهاية كيف يطالب جندي المارينز السابق بالاتتقام لما وقع، ويرتدي ملابسه العسكرية مجددا ويقول إنه سيعود إلى العراق.

إننا نشاهد في هذا الفيلم إعادة تجسيد مذهلة لسقوط البرجين، باستخدام كل إمكانيات السينما الحديثة: المؤثرات الخاصة والديكورات والمجموعات الكبيرة من الممثلين الثانويين، أصوات ارتطام جسم الطائرة بالبرج الثاني والحرائق وتصاعد كرات اللهب الضخمة والانفجارات وتطاير الشظايا وسقوط الأنقاض.. وغير ذلك.

ويجعل المخرج بطله الأول يرى في لقطات متخيلة وهو يحلم، المسيح يفتح له ذراعيه، وإناء من الماء إلى جواره، وتتكرر اللقطة في مغزى شديد الدلالة، غير أنه أيضا يحمل قدرا كبيرا من السذاجة.

رؤية مباشرة

إن "مركز التجارة العالمي" هو "أبوكاليبس" ولكن دون "رؤية" ولا "فلسفة"، وهو فيلم واقعي حقا، يستند إلى التفاصيل الحقيقية لأبطاله كما وقعت، لكن بعد إغراقها في أضواء هوليوود، وحرقها بالرسالة الأخلاقية المباشرة الساذجة: التضحية الوطنية المعمدة بالدين.

إنه أكثر أفلام ستون إخلاصا لهوليوود وللأفكار السائدة في الوقت نفسه، لذا فإنه لا يثري معرفتنا بالموضوع أو بمغزاه حتى على صعيد المجتمع الأمريكي، فلم يكن الأمر يتلخص قط في مجرد حدث خارق واجهه الشخص العادي بشجاعة، بل أكبر من ذلك بالتأكيد وأكثر تعقيدا.

أوليفر

ستون قال في المؤتمرالصحفي إنه لا يزال يعارض التدخل الأمريكي في العراق ولكن لأنه يعتبره "انحرافا عن الهدف"

والأمر الأكثر غرابة أن يأتي أوليفر ستون إلى مهرجان فينيسيا ويعلن في المؤتمر الصحفي الكبير الذي عقده لمناقشة فيلمه وحضره مئات الصحفيين هناك، أن الشعب الأمريكي بعد أحداث سبتمبر، كان في حاجة إلى الانتقام، وأنه شخصيا كان يؤيد ذلك، وأن الأمريكيين أرادوا تعويضا عما حدث لذا كان الهجوم على أفغانستان مبررا وطبيعيا.

وقال ستون إنه لا يزال يعارض التدخل الأمريكي في العراق ولكن لأنه يعتبره "انحرافا عن الهدف"، وأكد أنه لا يخالجه أي شك في أن تنظيم القاعدة يقف وراء أحداث سبتمبر.

وقد أثارت هذه الآراء دهشة الصحفيين الحاضرين مما دفعهم إلى توجيه الكثير من الأسئلة إلى ستون بشأن تغيير موقفه والكف عن توجيه الانتقاد للسياسة الأمريكية الرسمية.

غير أن ستون رد قائلا إنه لم يغير موقفه وإنما كان من الضروري أن يعبر عن الواقع وأن يصور كيف تفجرت مشاعر الأمريكيين العاديين في ذلك اليوم، وكيف عاشوا المحنة وتعاملوا معها.

بعض الأشياء في سبتمبر

أما الفيلم الفرنسي فهو على النقيض من فيلم أوليفر ستون، فمخرجه يلجأ إلى أسلوب غير مباشر في رواية الموضوع، لكنه يوجه - بشكل ما - رسالة تكاد تكون مباشرة، فهو يقول من خلال موضوعه المكتوب ببراعة، إن هناك جهة ما داخل أجهزة المخابرات الأمريكية كانت تعرف مسبقا بما سيقع في ذلك اليوم.

وتدور أحداث الفيلم في الفترة من يوم 5 إلى يوم 10 سبتمبر 2001.

ويدور الفيلم حول شخصية "عميل" أمريكي كان يعمل لحساب المخابرات الأمريكية ثم استقل وأصبح يعمل لحسابه لأكثر من جهاز مخابرات بغرض الحصول على أكبر مكاسب مالية لتأمين مستقبل طفليه.

هذا الرجل الأمريكي "إيليوت" كان متزوجا من فرنسية، أنجب منها ابنة هي "أورلاندو" عاشت لفترة مع جدتها في فرنسا بعد مقتل أمها أثناء عودتها مع أبيها من العراق عام 1991 فيما كان إيليوت هو المستهدف من الاغتيال لأنه يعرف أكثر مما ينبغي.

من

أيرين الفرنسية (جوليت بينوش) التي كانت زميلة لايليوت عملت معه قبل عشر سنوات،

وأورلاندو غاضبة من والدها ولا تريد رؤيته لأنها تعتبره مسؤولا عن موت أمها.

إيليوت يعرف الكثير من الأسرار: عن علاقات جهات أمريكية بصدام حسين، وعن أجنحة داخل المخابرات كانت تعلم بما سيقع في 11 سبتمبر إلا أنها لم تبلغ بما تعرفه، وبالكثير من الصفقات مع مجرمي حرب وتجار سلاح ومهربي مخدرات.

ولدى إيليوت أيضا ابن أمريكي بالتبني، في العشرينات من عمره، وقد جاء إلى باريس لكي يقابل والده الذي لم يره منذ سنوات.

وهناك أيرين الفرنسية (جوليت بينوش) التي كانت زميلة لايليوت عملت معه قبل عشر سنوات، وقد اتصل بها أخيرا طالبا منها اصطحاب ابنته إلى فينيسيا في ايطاليا لمقابلته.

ونحن لا نرى إيليوت إلا قبل نهاية الفيلم بدقائق، يظهر لكي يموت أخيرا بعد أن ينجح القاتل المحترف المستأجر (من طرف المخابرات الأمريكية) في الخلاص منه.

ومن خلال اسلوب الفيلم البوليسي يكشف الفيلم تدريجيا عن الشخصية الرئيسية التي لا تظهر في الأحداث وإن كانت الأحداث كلها تدور حولها.

في الفيلم أيضا جهة أخرى تسعى لمعرفة مكان ايليوت، هذه الجهة جهة عربية من الشرق الأوسط، وهي مؤسسة مصرفية كبرى تابعة للمملكة العربية السعودية.

توفد هذه المؤسسة اثنين من رجالها إلى باريس للعثور على ايليوت عن طريق إيرين التي تجيد اللغة العربية.

والسبب كما نعرف فيما بعد، أن إيليوت يعمل مستشارا لهذه المؤسسة، وقد نصح القائمين عليها بسحب أموالهم المودعة في البنوك الأمريكية بدعوى أن البورصة الأمريكية ستشهد انخفاضا بنسبة 25 في المائة وهو ما يرون أنه أمر لا ينتج إلا عن وقوع كارثة اقتصادية هائلة إو اندلاع حرب مما سيؤدي إلى انهيار تام للسوق، وهم لذلك يرغبون في معرفة طبيعة هذا الحدث.

تدور حوارات كثيرة في الفيلم حول العلاقة بين أوروبا وأمريكا، وعن الكراهية الفرنسية للأمريكيين بسبب التناقض بين الشخصيتين، من خلال الحوار بين أورلاندو وديفيد (الابن بالتبني).

حب وكراهية

غير أن هذه العلاقة تتطور من الكراهية إلى الوقوع في الحب، كما يصور الفيلم القاتل المحترف (الذي يقوم بدوره جون تورتورو) باعتباره مبدعا أيضا، فهو يقرض أبياتا من الشعر في الفترات ما بين التصفيات الدموية التي يقوم بها.

هل كانت هناك معرفة مسبقة بوقوع هجمات سبتمبر، كيف ولماذا ولمصلحة من كان الصمت، هذه التساؤلات يطرحها الفيلم من بين طيات نسيجه، دون أن يجيب عليها بشكل واضح.

من

تدور الأحداث ما بين باريس وفينيسيا وفي الفيلم ذكر لعلاقة إيليوت بأفغانستان والعراق والسعودية

ولعل فيلم "بضعة أيام في سبتمبر" من الأفلام الجديدة التي تقدم الشخصية العربية في صورة إيجابية، فالشخصيات العربية التي تظهر هنا تبدو شديدة الرقي في تعاملها مع "إيليوت" على العكس من الأجهزة الأمريكية التي تسعى لتصفيته جسديا، وكذلك في تعاملها مع أيرين وعدم اللجوء إلى استخدام الوسائل العنيفة في دفعها إلى الاعتراف بمكان ايليوت.

وتدور الأحداث ما بين باريس وفينيسيا، وفي الفيلم ذكر لعلاقة إيليوت بأفغانستان والعراق والسعودية، كما تتداخل الأحداث وتتداعى اللقطات من الماضي إلى الحاضر، ومن المواجهات المباشرة إلى لحظات التأمل التي تساهم في تهدئة الإيقاع التقليدي للفيلم البوليسي.

والمؤكد أن الأفلام عن أحداث 11 سبتمبر لم تبدأ بعد في الظهور كما أشار أوليفر ستون في حديثه خلال المؤتمر الصحفي المشار إليه، فالأمر يقتضي مرور بعض الوقت حتى تتضح الصورة أكثر. ولننتظر ونرى.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة وحروب, فن وسينما | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر